blog
  • بواسطةالإدارة
  • 180عدد المشاهدات
  • 0التعليقات

التكييف القانوني لعملية الإيداع النقدي المصرفي

التكييف القانوني لعملية الإيداع النقدي المصرفي

الباحث محي الدين القادري : ماجستير في القانون التجاري

قسم القانون التجاري - كلية الحقوق - جامعة دمشق

 

المقدمــــــــة :

نظراً للتطور الذي تشهده المجتمعات في مختلف نواحي الحياة ، بات القطاع المصرفي يتبوأ مركزا ًبارزاً في نطاق التعاملات بين الأفراد على كافة الأصعدة ، سواء تلك التعاملات التي تندرج ضمن النشاطات التجارية ، أو المعاملات الفردية بين أشخاص طبيعيين أو اعتباريين ، وامتد نشاط المصارف ليشمل حتى المعاملات ضمن النطاق الدولي ، ما أكسب القطاع المصرفي أهمية بالغة فرضت على المشرعين وفقهاء القانون دورهم في التصدي لإيجاد الضوابط القانونية اللازمة لإمكانية إدراج المعاملات المصرفية ضمن أحكام النظريات القانونية والفقهية ، فلما كانت المصارف تقدم العديد من الخدمات لعملائها فمنها التصرفات المسماة إن صح التعبير كالقرض والكفالة ، ومنها ما ابتدعته المصارف وتبتدعه من خدمات مصرفية ، والتي تعتبر من حيث النتيجة تصرفات قانونية منتجة لآثارها وتمنح أطرافها مراكز قانونية محددة دون وضوح في تسميتها ، وفي حال نشوب النزاعات يبرز دور الاجتهاد القضائي والفقه القانوني في إيجاد التكييف الملائم لتلك التصرفات .

هدف البحث :

من خلال البحث في المجالات المتصلة بهذا السياق ، بغية تنظيم علاقات القطاع المصرفي و إخضاعها لأحكام التشريعات المسنونة , وعلى وجه الخصوص تنظيم العلاقات بين المصرف و زبائنه ، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية القطاع المصرفي بالنسبة لسياسات الدولة الاقتصادية ودور المصارف في تنفيذ هذه السياسات ، أضحت النشاطات المصرفية المتعددة وتنوع الخدمات التي تقدمها المصارف تشكل محطة اهتمام للباحثين في مجال التشريعات المصرفية ، ولذلك كان هذا البحث ليعالج جانب من هذه التعاملات بين المصارف وعملائها ، وهو عملية الإيداع النقدي المصرفي والبحث عن التكييف القانوني لهذه العملية المصرفية ، التي توصفها التشريعات وتنظمها وتطلق عليها تسميات الوديعة ، بينما في الواقع تقترب الوديعة النقدية المصرفية إلى أحكام عقد القرض أكثر من اقترابها لأحكام عقد الوديعة .

مشكلة البحث :

تعتبر عملية الإيداع المصرفي من أولى الخدمات التي تقدمها المصارف ، لا بل الأساس الذي يبنى عليه النشاط المصرفي ، و لايقتصر الإيداع المصرفي على النقود التي يسلمها العميل للبنك , فللوديعة المصرفية صور مختلفة منها إيداع الأسناد ،  ومنها الحسابات الجارية وحسابات الشيكات التي يغذيها العميل لهذا الغرض ، وحسابات فتح الاعتماد ، فجميع هذه العمليات تأخذ حكم الوديعة المصرفية ، و تختلف الأحكام القانونية لكل حساب وفقاً لكيفية استخدامه ، و على الرغم من قدم النشاطات المصرفية ، لكن تبقى مسألة الطبيعة القانونية لعملية الإيداع النقدي محل خلاف بين فقهاء القانون حتى يومنا هذا , حيث يدور الخلاف في تحديد الطبيعة القانونية للوديعة المصرفية بين إخضاعها لأحكام الوديعة العادية أو اعتبارها قرضاً ، وبين مفهوم فقهي يطلق عليه مصطلح الوديعة الناقصة والوديعة التامة تبعاً لطبيعة الاتفاق بين المصرف وعميله في تحديد أجل لطلب الوديعة , أو تخصيصها لغرض معين , أو اعتبارها تحت الطلب ، أو مدى حرية البنك في استخدامها , وتبقى غالبية الدراسات والتشريعات القانونية ، وإن كانت تعتبر الوديعة في غالبية صورها عقد قرض ، إلا أنها تتردد في إخضاع عملية الإيداع المصرفي لأحكام عقد القرض بشكل مطلق , ناهيك عن اعتماد التشريعات القانونية على مصطلح الوديعة المصرفية في عملية الإيداع المصرفي .

منهجية البحث :

اتبعنا في دراسة هذا البحث المنهجية التحليلية من خلال تحليل عقد الوديعة وعقد القرض لاستخلاص شروط كلا العقدين ، ومن ثم دراسة الوديعة النقدية المصرفية للوصول إلى التكييف القانوني السليم الذي تندرج الوديعة النقدية المصرفية تحت أحكامه .

خطة البحث :

انطلاقا من موضوع هذا البحث في التكييف القانوني لعملية الإيداع المصرفي ، ستتم دراسة أحكام الوديعة وعقد القرض في القانون المدني من حيث مقارنة التزامات الأطراف في كل عقد ومدى مطابقة أحكام العقدين على عملية الإيداع المصرفي في المطلب الأول ، وفي المطلب الثاني ستتم دراسة الوديعة المصرفية النقدية ومن ثم تحديد الطبيعة القانونية لها ، وفق المخطط الآتي:

المطلب الأول : مفهوم الوديعة وتمييزها عن عقد القرض

الفرع الأول : الوديعة في القانون المدني

الفرع الثاني : القرض في القانون المدني

المطلب الثاني : الوديعة المصرفية النقدية

الفرع الأول : مفهوم الوديعة المصرفية النقدية .

الفرع الثاني: الطبيعة القانونية لعملية الإيداع النقدي المصرفية .

 

المطلب الأول : مفهوم الوديعة وتمييزها عن عقد القرض

الفرع الأول : الوديعة في القانون المدني

لما كان النشاط المصرفي يقوم ابتداءً على قبول الودائع من العملاء ، ومن هنا كانت العلاقة بين البنوك والعملاء بالنسبة للإيداع النقدي تقوم في إطارها العام على أحاكم عقد الوديعة ، فكان عقد الوديعة محطة انطلاق الدراسات الفقهية التي بحثت في إيجاد الأساس القانوني للإيداع المصرفي .

مفهوم الوديعة في القانون المدني : عرف القانون المدني السوري الوديعة في المادة 684 منه والتي نصت على أنه :

(( الوديعة عقد يلتزم به شخص أن يتسلم شيئاً من آخر، على أن يتولى حفظ هذا الشيء، وعلى أن يرده عيناً. ))

حيث تعتبر الودية من زمرة العقود المسماة في القانون المدني ، وبالتالي فالوديعة عقد رضائي ينعقد بالإيجاب والقبول ولا يشترط التسليم في عقد الوديعة ، فهو التزام وليس ركن [1]

  1.     التزامات الوديع : بالرجوع لأحكام المواد 685 وما بعدها من القانون المدني السوري والتي حددت التزامات الوديع ، تتلخص التزامات الوديع بمايلي :
  2.        استلام الشيء المودع وهو التزام لا ركن
  3.    ليس للوديع استعمال الوديعة دون إذن المودع [2].
  4.   ليس للوديع أن يعهد لغيره حفظ الوديعة دون إذن المودع أو خارج حالات الضرورة الملحة.[3]
  5.   على الوديع رد الشيء المودع للمودع فور طلبه , مالم يتم الاتفاق على تحديد أجل معين لمصلحة الوديع أو المودع فيعمل هذا الشرط ، والرد يكون مع الثمار فيد الوديع هي يد أمين وبالتالي يلتزم برد الوديعة مع ثمارها [4] .

 وقد عين القانون طريقان لرد الوديعة ، الأولى : المطالبة بدعوى الاسترداد المدنية من خلال مراجعة القضاء المدني للرد عيناً أو بدعوى تعويض ( الرد بمقابل ) في حال هلاك الوديعة ، أما الثانية : الرجوع على الوديع وفق المسؤولية الجزائية بجرم إساءة الأمانة ، حيث رتب المشرع جزاء على امتناع الوديع عن رد الوديعة وفق أحكام قانون العقوبات العام في المادة 656 والتي نصت على أنه " كل من أقدم قصداً على كتم أو اختلاس أو إتلاف أو تمزيق سند يتضمن تعهداً أو إبراء، أو شيء منقول آخر سلم إليه على وجه الوديعة أو الوكالة أو الإجازة أو على سبيل العارية أو الرهن، أو لإجراء عمل لقاء أجرة أو بدون أجرة شرط أن يعيده أو يقدمه أو يستعمله في أمر معين يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة تتراوح بين ربع قيمة الردود والعطل والضرر وبين نصفها على أن لا تنقص عن مائة ليرة "

  1.    يلزم الوديع بحفظ الوديعة ببذل عناية الرجل المعتاد إذا كانت الوديعة بأجر ، وإلا فيلزم ببذل عنايته في حفظ ماله ، وقد ورد في شروح القانون بأن حفظ الوديعة هو التزام أساسي في عقد الوديعة وخاصة أن الاعتبار الشخصي للوديع يبرز بشكل كبير في عقد الوديعة و الجدير بالذكر أنه لا يكون هناك وديعة مالم يكن هناك التزام من جانب الوديع بحفظ الوديعة[5]
  2.    تعويض المودع عن الوديعة في حال هلاكها
  3.     التزامات المودع : نصت المادة 690 مدني وما بعدها على التزامات المودع والتي يمكن تلخيصها بما يلي :
  4.        دفع الأجر إن وجد
  5.   على المودع أن يرد للوديع ما أنفقه على حفظ الوديعة ، وكذلك يلتزم بتعويض الوديع عن أي خسارة قد تلحق به بسبب الوديعة .
  6.     هلاك الوديعة : لما كانت التزامات الوديع في حفظ الوديعة لاتتجاوز عناية الرجل المعتاد كحدٍ أقصى في حال كانت الوديعة بأجر، ومن هنا فيتحمل المودع هلاك وديعته فيما لو هلكت وكان الوديع قد بذل في حفظها عناية الرجل المعتاد أو بذل في حفظها ما يبذله من عناية لحفظ ماله فيما لو كانت بلا أجر ، وإلا فيلتزم الوديع بتعويض المودع عن هلاك الوديعة فيما لو قصر في واجبه بحفظ الوديعة شريطة أن يكون تحقق استلام الوديع للوديعة [6].
  7.     تطبيق أحكام الإفلاس على الوديعة : لما كان من أهم آثار شهر الإفلاس غل يد المدين عن أمواله وتعيين وكيل تفليسة يعهد إليه بإدارة أموال المفلس فتنحصر الخصومة في كل دعوى تتعلق بالتفليسة بوكيل التفليسة الممثل لجماعة الدائنين ، وبالتالي فعلى المودع المطالبة بالوديعة وفق أحكام الاسترداد الخاصة باسترداد ما سُلم للمفلس على سبيل الوديعة من بضائع وغيرها شرط أن تكون موجودة بعينها لدى المفلس ، مع مراعاة ألا يكون الوديع قد أُذن له باستعمال الوديعة وكانت مما يهلك بالاستعمال ، وإلا فلا يجوز للمودع استرداد وديعته في هذه الحالة ،بل عليه أن يتقدم بها كدين في ذمة المفلس ويدخل كتلة الدائنين لاستيفاء حقوقه وفق أحكام قسمة الغرماء[7] ، ومرد ذلك ماورد في المادة 692 مدني والتي نصت على أنه :

(( إذا كانت الوديعة مبلغاً من النقود، أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال، وكان الوديع مأذوناً له في استعماله، اعتبر العقد قرضاً. ))

أي أنه في حال كانت الوديعة من المثليات التي تهلك بالاستعمال وكان الوديع مأذوناً له باستعمالها فذلك يُخرج الوديعة من أحكام عقد الوديعة وتخضع بذلك لأحكام عقد القرض فتصبح ديناً في ذمة المفلس لامجال لاستردادها إلا من خلال التفليسة ودخول دائنها كتلة الدائنين ليصار إلى استيفائها بقسمة الغرماء.

  •         ومن دراسة  ما سبق يتبين بأن الوديعة قد تنقلب إلى عقد قرض متى أجيز للوديع استعمالها وكان محلها من الأشياء التي تهلك بالاستعمال كالنقود ويطلق الفقهاء عليها ( الوديعة الناقصة ) .

الفرع الثاني : القرض في القانون المدني

متى كانت الوديعة من المثليات التي تهلك بالاستعمال وأُذن للوديع باستعمالها ، فإنها تخرج عن نطاق أحكام عقد الوديعة وتصبح قرضاً وفقاً لنص المدة 692 مدني ، لذلك فلابد من دراسة أحكام عقد القرض ، للوقوف على الحالات التي تتحول فيها الوديعة إلى قرض ، ليصار إلى مدى إمكانية تفعيل أحكام القرض على عملية الإيداع المصرفي .

مفهوم عقد القرض في القانون المدني : يعرف القرض وفق المادة 506 مدني ((عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء مثلي آخر. على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته. )) ومن نص المادة سالفة الذكر فقد يكون محل القرض مبلغ من النقود أو من المثليات وفي كلتا الحالتين يتملك المقترض محل القرض ويكون له الحق في استعماله كما يشاء على أن يرد مثله في نهاية عقد القرض .

  1.       التزامات المقرض : يلتزم المقرض في عقد القرض بتسليم محل القرض للمقترض وتلخص التزاماته تبعاً لما يلي :
  2.        تسليم محل القرض للمقترض ولا يحق له طلب رده قبل انتهاء عقد القرض .
  3.   أن يكون محل القرض سليماً من العيوب ليتمكن المقترض من استعماله إذا كان القرض بأجر (فائدة) .
  4.     التزامات المقترض :
  5.        رد القرض بنهاية عقد القرض .
  6.   أن يدفع الفوائد في مواعيد استحقاقها إذا كان القرض بأجر (بفائدة) والأصل أن القرض من عقود التبرع إلا إذا اتفق على أن يكون بأجر (فائدة) فيكون من عقود المعاوضة
  7.     هلاك محل القرض : وفقاً لنص المادة 507 مدني يتحمل المقترض هلاك القرض قبل تسليمه للمقترض ، مما يعني تحمل المقترض تبعة الهلاك لمحل القرض بعد استلامه للقرض ، وذلك بسبب تملكه لمحل القرض وحقه في استعماله كما شاء .
  8.     تطبيق أحكام الإفلاس على عقد القرض : لما كان محل عقد القرض من المثليات ، ويعطي المقترض الحق في استعمال محل القرض ، فبالتالي يقتصر حق المقرض تجاه المقترض على المطالبة برد مثل ما اقترضه بحلول أجل القرض ، أي توصف العلاقة بين المقرض والمقترض بعلاقة دائن ومدين ولا طريق أمام الدائن للمطالبة بدينه في حال الإفلاس إلا من خلال وكيل التفليسة والدخول في كتلة الدائنين .

إلا أن الاجتهاد الفرنسي متجه إلى نية المتعاقدين في الحفظ للتمييز بين الوديعة والقرض وإن كان محلها نقوداً ، في حال لو لم يأذن باستعمالها واشترط ردها عيناً وهذا غير موجود في القانون السوري لأنه حسم الخلاف في المادة 692 قانون مدني ، بقوله إذا كان محل الوديعة نقود أصبحت قرضاً [8] ، وهذا ما دفع بالفقه إلى إطلاق مصطلح الوديعة الناقصة على الوديعة في حال كان محلها من المثليات وأجيز للوديع استعمالها أو نص عقد الوديعة على عدم جواز المودع لطلب رد الوديعة عيناً[9]

وبعد دراسة مفهوم الوديعة وتحديد التزامات أطراف عقد الوديعة ودراسة الحالات التي تنقلب فيها الوديعة إلى قرض و دراسة كلا العقدين ( الوديعة والقرض ) لابد من التوجه للبحث في الوديعة النقدية المصرفية في المطلب الثاني .

 

 

المطلب الثاني

الوديعة النقدية المصرفية

تشكل أهمية البحث في الوديعة المصرفية النقدية الأساس الذي سنستند إليه في النهاية للوقوف على التكييف القانوني السليم لهذه العملية المصرفية بغية إدراجها تحت نصوص القوانين المسنونة التي تحكمها ، وبالتالي فلابد من دراسة مفهوم الوديعة المصرفية النقدية ، ومن ثم تحليل التزامات الأطراف فيها لمقاربتها إما لعقد القرض أو لعقد الوديعة.

الفرع الأول : مفهوم الوديعة المصرفية النقدية

أولاً : مفهوم الوديعة المصرفية النقدية

تعد الوديعة المصرفية النقدية من أهم النشاطات المصرفية ، حيث تعتبر البنوك في هذا الصدد بمثابة وسيط بين أصحاب الفائض المالي إن صح التعبير من جهة ، وبين المقترضين الذي يسعون للحصول على القروض لاستعمالها وفق نشاطاتهم التي يرسمونها ، والتي تعتمد البنوك عادة في منحها لهذا الائتمان على ودائع عملائها .

ولا تقتصر عملية الإيداع النقدي على مجرد إجراء يقوم العميل بتسليم النقود إلى موظف البنك على أن يسترده في الوقت الذي يشاء ، وإنما هي تصرف قانوني ينشأ رابطة قانونية بين العميل والبنك تستوجب تحديد ملامحها بشكل جلي ليصار إلى إدراج هذه التصرفات تحت أحكام ونظريات القانون .

وتعرف الوديعة النقدية المصرفية بأنها (( النقود التي يعهد بها الأفراد والهيئات إلى البنك ، والتي يستخدمها الأخير في نشاطه المهني ، على أن يتعهد بردها أو برد مبلغ مساوٍ لها للمودع ذاته أو لشخص آخر معين أو قابل للتعين من قبل المودع ، عند الطلب أو في أي وأجل محدد لمصلحة أحد الطرفين ))[10]

ومن الجدير بالذكر أن الوديعة النقدية المصرفية لا تقتصر فقط على الأموال التي يسلمها العميل للبنك بعملية الإيداع ذاتها ( أي حساب الوديعة ) وإنما تشمل كل ماهو في ذمة البنك من نقود تجاه العميل ، كتنفيذ الحوالات أو تحصيل الشيكات أو عمليات الإيداع التي قد تتم من الغير ، وغيرها العديد من العمليات المصرفية[11] .

وقد عرف قانون التجارة السوري عملية الإيداع في المادة 194 (( إن المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً إياه ويلتزم برد مثله دفعة واحدة أو على دفعات بمجرد طلب المودع أو وفق المواعيد وشرط الإخبار المسبق المعين في عقد الوديعة ))

وكذلك ورد في المادة 195 (( تتناول الوديعة جميع المبالغ التي يقبضها المصرف من الغير لحساب المودع بأي صورة كانت سواء تم ذلك عفواً أو بناءً على طلب المودع مع إجازة المصرف لاستعمالها لعمله المهني ....الخ ))

وكذلك ورد ذكر الودائع المصرفية في القسم الأول من الباب الرابع من قانون مجلس النقد والتسليف رقم 23/2002 الناظم لمهنة المصارف حيث نصت المادة 85 في فقرتها الأولى على مايلي : (( تخضع لأحكام هذا الباب مصارف القطاع العام والمصارف الخاصة والمشتركة التي تتولى بصورة اعتيادية قبول الودائع تحت الطلب ولأجل وودائع التوفير لاستثمارها في عمليات مصرفية لحسابها الخاص ))

ويبدو بأن التشريعات السورية أخذت بالاتجاه المؤيد لإدراج فكرة الوديعة المصرفية النقدية تحت أحكام عقد الوديعة وأولتها خصائص معينة تتوافق مع طبيعتها المصرفية لتمكن البنوك من ممارسة نشاطها المهني ، فقد يعهد شخص لإيداع أمواله في البنك على شكل وديعة تخضع لأحكام خاصة وفقاً لطبيعة عمل المصارف وهو ما يعرف في القضاء الفرنسي بالوديعة الناقصة[12] وهنا يفرض علينا هذا البحث دراسة المفهوم الفقهي للوديعة الناقصة .

ثانياً : مفهوم الوديعة الناقصة

تقوم فكرة الوديعة الناقصة على اختلاف التزامات الوديع وتداخلها مع أحكام عقد القرض فحيث أن الوديعة العادية تختلف عن عقد القرض في أن القرض ينقل ملكية الشيء محل القرض للمقترض ويأذن له باستعماله ولا يلزم المقترض برد الوديعة عيناً ولا يتحمل المقترض تبعة هلاك الشيء المقرض خلافاً للوديعة العادية ،حيث أنه في الوديعة تبقى ملكية محل الوديعة للمودع ويتحمل تبعة هلاكها طالما أن الوديع لم يقصر في التزامه في حفظ الوديعة ، كما في حالة هلاك الوديعة لسبب لا يد للوديع فيه ، ويبقى حق المودع قائماً باسترداد الوديعة عيناً ، ولما كان المتعامل الذي يتجه لمصرف ما بغية فتح حساب وديعة ويكون محل الوديعة نقوداً ويتقاضى فائدة محددة في حال الاتفاق ، مطمئناً بحقه في استرداد نقوده محل الوديعة وفقاً لشروط حساب الوديعة التي قبل بها ، وبالمقابل يوافق البنك على استلام النقود محل الوديعة ويوافق على دفع الفائدة للمودع في حال وجودها مقابل استخدام النقود محل الوديعة في نشاطه المهني ، فهذه العملية أوجدت تصرف قانوني تختلط أحكامه بين عقد الوديعة وعقد القرض فكانت الوديعة الناقصة نتيجة لامتزاج عقد الوديعة بعقد القرض في عملية الإيداع المصرفي النقدية ، حيث اتجه الفقهاء لإيجاد مصطلح الوديعة الناقصة تبعاً لطبيعة العمليات المصرفية التي نجد فيها العديد من صور الإيداع ، فلا تكون الوديعة النقدية دائماً للحفظ وجني الفوائد من جانب العميل المودع ، فقد يعهد العميل لتسليم البنك مبلغاً معيناً من النقود بغية تنفيذ عملية مصرفية أخرى كالتحويل ، وكذلك قيام العميل بإيداع مبلغاً من النقود ليشتري به أوراق مالية أو ضماناً لخطاب ضمان أصدره البنك بناءً على طلب العميل وهي ما تسمى بالوديعة المخصصة لغرض معين ، وكذلك قد تدخل بعض الأموال العائدة للمتعامل في حيازة البنك دون اتجاه نية الأطراف لاعتبارها وديعة كأن يقبض البنك مبلغ من المال نتيجة بيع أسهم للمتعامل ويستلم بناءً على ذلك قيمة الأسهم فصحيح أن هذا الثمن يعتبر وديعة لحين استلامه من قبل العميل إلا أنه وديعة عابرة[13] .

وقد نصت المادة 195 من قانون التجارة السوري " تتناول الوديعة جميع المبالغ التي يقبضها المصرف من الغير لحساب المودع بأي صورة كانت سواء تم ذلك عفواً أو بناءً على طلب المودع مع إجازة المصرف لاستعمالها لعمله المهني على أن يدفع المصرف لحساب المودع ضمن حدود الوديعة المبالغ التي يطلب إليه المودع دفعها سواء للمودع نفسه أو لغيره بموجب شيكات أو حوالات أو غير ذلك وعلى أن يقبض المصرف لحساب المودع المبالغ التي يحددها المودع أو التي يقضي العرف بقبضها لحسابه ويضمها إلى الوديعة وللمودع عند تبليغه الإيداع الجاري من الغير لحسابه أن يرفضه ويطلب إعادة الوديعة لدافعها "

  •         فالوكيل يلزم بحفظ مال وكيله الذي يقع في يده والمستعير يلزم بحفظ الشيء المعار و الشريك يلتزم بحفظ مال الشركة والمرتهن حيازياً يلزم بحفظ المال المرهون وكل ذلك لا يدخل ضمن زمرة عقود الوديعة وإنما يجب أن يكون الالتزام بالحفظ هو الالتزام الأساسي الجوهري ليكون العقد وديعة[14]

نية المودع حفظ الأسناد أو المال أو الأسهم أو السندات فهو وديعة وفي حال عدم وجود نية الحفظ فهو قرض ويمكن استخلاص النية من عدم تحديد أجل للرد وعدم وجود فائدة [15]

  1.      التزامات العميل في الوديعة النقدية المصرفية :
  2.        تنفيذ عملية الإيداع بتسليم البنك للنقود المراد إيداعها أو تمكين البنك من استلامها فيما لو كانت شيكات أو حوالات .
  3.   الالتزام بالشروط المنصوص عليها اتفاقاً فيما يتعلق بتخصيص الوديعة أو تعيين أجل لطلب الوديعة .
  4.   قبول العميل بخضوع البنوك لقوانين وأنظمة تنظم عملها فلا يحق للعميل على سبيل المثال طلب رد الوديعة عيناً فيما لو كانت قطع أجنبي وصدر قانون يحظر على البنوك رد ودائع القطع الأجنبي بذات العملة التي أودعت فيها فالعميل في هذه الحالة ملزم بقبول التعليمات الملزمة للمصرف ولو خالف الاتفاق السابق بينهما .
  5.      التزامات البنك في الوديعة النقدية المصرفية :
  6.        الالتزام بقبول الإيداع : حيث ينشأ هذا الالتزام ضمناً عند فتح البنك لحساب الوديعة بمقتضى العقد الذي يفسره العرف المصرفي ، فمن الناحية العملية لا يكون هناك اتفاق على إيداع مبلغ وحيد وإنما يكون للعميل الحق في إيداع عدة مبالغ في حسابه [16]
  7.   الالتزام بالرد : يلتزم البنك برد قدراً مماثلاً للنقود التي استلمها دون اعتبار للتغير الطارئ على قيمتها في الفترة بين الإيداع والرد فهو يرد مثل محل الوديعة ، وفي حال كانت الوديعة قطعاً أجنبياً فتحدد مسؤولية البنك بالرد وفقاً للقوانين النافذة الناظمة للقطع الأجنبي سواء لجهة جواز الرد بقطع أجنبي أو لجهة تحديد سعر الصرف من قبل البنك المركزي في حالة عدم جواز رد الوديعة بالقطع الأجنبي[17]
  8.   التزام البنك بدفع الفوائد في مواعيد استحقاقها تبعاً لنص المادة 202 من قانون التجارة والتي نصت على استحقاق الفوائد من اليوم التالي للإيداع ما لم يكن هناك اتفاق أو يعرف بخلاف ذلك ، ونجد هنا أن المشرع السوري قد خالف أحكام القانون المدني ، فحيث أن القانون المدني قد صنف عقود القرض ضمن عقود التبرع ونص على عدم استحقاق الفوائد في القرض مالم ينص عليها تبعاً لنص المادة 510 من القانون المدني التي نصت على أنه في حال عدم الاتفاق على الفوائد في عقد القرض اعتبر القرض بلا أجر .
  9.   التزام البنك بخدمة صندوق العميل : حيث استقرت العادات المصرفية على تعهد البنك ضمنياً بخدمة صندوق العميل وفق ما يقتضيه العرف المصرفي سنداً لنص المادة 195 تجارة [18]

 

  1.       إفلاس البنك : لما كان البنك يستلم الأموال من الجمهور لاستثمارها في نشاطه المهني فيعتبر من أصحاب المهنة المحترفين وبالتالي لأتبرأ ذمة البنك بالقوة القاهرة وفي حال إفلاسه يدخل العملاء كتلة الدائنين للحصول على قيم أموالهم المودعة وفق قسمة الغرماء وهذا هو جوهر الفكرة القائلة بأن عملية الإيداع النقدي تكيف قانوناً عقد قرض وليست وديعة كما ستبين لاحقاً
  2.      هلاك النقود : لما كانت المادة 506 من القانون المدني قد نصت على امتلاك المقترض لمحل القرض على اعتبار أن القرض لا يرد إلا على المثليات ومن هنا يتضح بأن المقترض هو من يتحمل تبعة هلاك محل القرض[19] بصرف النظر عن سبب الهلاك أي يبقى المقترض ملزماً برد مثل ما اقترض ولو هلك محل القرض لسبب أجنبي كالقوة القاهرة ، وبالتالي فلا يجوز للمقترض دفع مسؤوليته عن الحفظ بقيامه بالالتزام بعناية الرجل المعتاد في الحرص وذلك لأن حفظ محل القرض ليس من أركان عقد القرض كما هو الحال في الوديعة .

بعد البحث في عملية الإيداع النقدي المصرفي والوقف على التزامات كل من البنك والعميل كأطراف لعملية الإيداع النقدي المصرفي والحديث عن نشأة فكرة الوديعة الناقصة نتوجه لتحليل النظريات الفقهية التي تنظم عملية الإيداع النقدي المصرفي والأسباب التي استندت إليها كل نظرية .

الفرع الثاني : الطبيعة القانونية لعملية الإيداع النقدية المصرفية

أولاً : أنواع الودائع المصرفي

على الرغم من تعدد صور وأشكال عمليات الإيداع النقدي المصرفية إلا أنه يمكن تصنيفها ضمن ثلاثة أنواع وفقاً لالتزامات الأطراف في كل منها بين وديعة عادية ووديعة ناقصة ووديعة ناقصة :

  1.     الوديعة تحت الطلب وقد تكون مع شرط الإخبار أو بغير شرط الإخبار وتعد هذه الوديعة وديعة بالمعنى الكامل لعقد الوديعة حيث يلتزم البنك برد الوديعة فور طلب دون التقيد بأجل معين إلا أنه له أن يشترط إخبار العميل لسحب الوديعة قبل مدة زمنية معقولة ولا يعتبر هذا الشرط أجل لأنه في الأجل يمتنع على الوديع طلب الوديعة قبل حلول الأجل بينما شرط الإخبار هو مجرد مدة معقولة قبل سحب الوديعة لتمكن البنك من توفير السيولة في حال كان مبلغ الوديعة كبيراً .
  2.     الوديعة لأجل : ويحدد فيها أجل لمصلحة البنك – الوديع – ويعتبر هذا الأجل التزاماً من جانب العميل يقيده بعدم جواز طلب وديعته قبل حلول هذا الأجل وهو ما يطلق عليه الوديعة المختلطة .
  3.     الوديعة المخصصة لغرض معين : وهي الصورة الغالبة التي تندرج تحتها غالبية النشاطات المصرفية التي تخرج عن مفهوم حساب الوديعة الشائع ، وهو ما يطلق عليه الوديعة الناقصة أو الشاذة وفقاً لما أطلقها عليه الاجتهاد الفرنسي الذي لم يثبت على فكرة واحدة للوديعة المصرفية النقدية من خلال أحكامها التي طبقت أحكام الوديعة العادية في زمرة من أحكامها واتجهت إلى فكرة الوديعة الشاذة أو الناقصة في أحكام أخرى [20]

ومن هنا نشأت ثلاث نظريات فقهية تسعى كل نظرية منها لإدراج عملية الإيداع النقدي المصرفي تحت أحكامها ويمكن تلخيص أفكار هذه النظريات بمايلي :

النظرية الأولى الوديعة بالمعنى الدقيق :

سادت هذه النظرية في ظل القانون الفرنسي القديم ومن أنصارها الفقيه Pothier و الفقيه Dumoulin حيث يعتقد أصحاب هذه النظرية بتكييف الوديعة المصرفية النقدية بعقد وديعة وبالتالي يلزم البنك برد المبلغ المودع بذاته ويتعهد بحفظة ويمتنع عليه الدفع بالمقاصة في التزامه هذا مقابل أي حق له قبل المودع ، كما ويبرأ البنك لو هلكت الوديعة بقوة قاهرة [21]، وهو مالا ينطبق على الوديعة النقدية المصرفية لأن البنك لا يلزم برد الوديعة عينها وإنما يلزم برد مثلها وفقاً لنص المادة 194 من قانون التجارة السوري ، كذلك أن البنك يستخدم الأموال المودعة لديه لاستثماراته المصرفية سنداً لنص المادة 85 من قانون مجلس النقد والتسليف 23/2002 وكذلك المادة 195 من قانون التجارة السوري، وبالتالي فلا يلزم البنك برد الوديعة عينها وإنما يلزم برد مثلها ومن هنا فيجوز للبنك الدفع بالمقاصة مقابل التزام له تجاه العميل المودع  وفقاً لما ورد في نص المادة360 مدني (1 - للمدين حق المقاصة بين ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق له قِبَل هذا الدائن، ولو اختلف سبب الدينين، إذا كان موضوع كل منهما نقوداً أو مثليات متحدة في النوع والجودة، وكان كل منهما خالياً من النزاع، مستحق الأداء، صالحاً للمطالبة به قضاء 2- ولا يمنع المقاصة أن يتأخر ميعاد الوفاء لمهلة منحها القاضي أو تبرع بها الدائن )

أي أنه كلما كان محل المقاصة نقوداً أو أشياء مثلية يقوم بعضها مقام بعض بالوفاء تكون المقاصة صحيحة وإن كان محل المقاصة بالنسبة لأحد طرفي المقاصة لم يحن موعد استحقاقه بعد حتى وإن مضت مدة التقادم على أحد الدينين وقت التمسك بالمقاصة ، طالما أن مدة التقادم لم تكتمل في وقت كانت فيه المقاصة ممكنه ، وإن التقيد الذي ورد بشأن المقاصة في المادة 362 جاء مقيداً للودائع من غير النقود أو المثليات حيث استثنت الفقرة ([) من المادة 362 من القانون المدني استثنت الأموال المودعة من المقاصة .

ولهذا تبتعد فكرة الوديعة بالمعنى الدقيق عن مفهوم الوديعة النقدية المصرفية وإن كانت تتشابه معها في التزام البنك بالرد إلا أن التزام الرد في الوديعة المصرفية النقدية يقع على رد مثل النقود المودعة لا ردها عينها كالوديعة ، ولا يبرأ البنك بهلاك الوديعة وإنما يبقى ملزماً برد مثلها للعميل المودع ، وكان هذا النقض بداية لولادة نظرية الوديعة الناقصة .

النظرية الثانية الوديعة الشاذة أو الناقصة :

ومبدأ هذه النظرية يقوم على تملك البنك للنقود المودعة لاستخدامها في نشاطه المصرفي مع التزامه برد مثلها ، إلا أن أصحاب هذه النظرية يعتقدون بأنه وإن كان البنك يتملك الوديعة ويأذن له باستعمالها و لا يلزم برد الوديعة عينها إلا أنه لا تكون له حرية التصرف بها ، بل عليه أن يحتفظ دائماً في خزائنه بمبلغ مساوٍ لقيمتها ومن أنصار هذه النظرية ليون ورينو و تالير ويرسو [22]

وبالرغم من أن فكرة الوديعة الناقصة تقترب في الواقع من عملية الإيداع المصرفي النقدية إلا أنه يوجه لهذه النظرية انتقاداً جوهرياً انطلاقا من الرأي القائل : طالما أن البنك مأذوناً له باستعمالها وعلى اعتبار أن النقود من المثليات التي تهلك بالاستعمال مما يعني سقوط التزام البنك بالحفظ وزوال صفة الوديعة عن المبلغ محل الوديعة النقدية المصرفية[23] .

النظرية الثالثة عقد القرض  :

لما كان الوديع لا يمتلك المال المودع لديه في الوديعة العادية ولا يحق له استخدامه ويلتزم برده عينه ولا يجوز له الدفع بالمقاصة ما يجعل فكرة الوديعة المصرفية أقرب إلى عقد القرض الذي ورد تعريفه في القانون المدني السوري المادة 506 : (القرض عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء مثلي آخر. على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته) ، ويرد على ذلك أصحاب  فكرة الوديعة الناقصة أنه بالرغم من امتلاك البنك للوديعة والإذن له باستعمالها إلا أن ذلك لا يلغي التزامه بحفظها بل عليه أن يحتفظ بمبلغ مساوٍ لقيمة الوديعة في خزائنه باستمرار[24] ،  وكذلك يؤخذ على نظرية عقد القرض أن الوديعة المصرفية في حالات محددة تأتلف مع أحكام الوديعة العادية ومثال ذلك الوديعة تحت الطلب ، حيث يلتزم البنك فيها تجاه العميل برد النقود عند طلب العميل مباشرة وبالتالي لن يتمكن البنك من استخدام النقود ولن يكون مقترضاً من حيث النتيجة[25] .

ويتبين لنا بالتدقيق في أحكام الوديعة أن مجرد التزام البنك برد النقود عند الطلب غير كافي لاستبعاد فكرة القرض عن الوديعة المصرفية وتكييفها على أنها وديعة عادية ، فقد يكون هناك اتفاق بين المودع و الوديع في عقد الوديعة على تعيين أجل معين لمصلحة الوديع لا يجوز فيها للمودع طلب رد الوديعة قبل حلول الأجل وفقاً لنص المادة 688 مدني سوري والتي نصت على أنه :

( يجب على الوديع أن يسلم الشيء إلى المودع بمجرد طلبه، إلا إذا ظهر من العقد أن الأجل عين لمصلحة الوديع. وللوديع أن يلزم المودع بتسلم الشيء في أي وقت، إلا إذا ظهر من العقد أن الأجل عين لمصلحة المودع. )

وبالتالي فتعيين الأجل في عقد الوديعة لا ينفي عنها هذه الصفة ، وكذلك كون الوديعة المصرفية تحت الطلب لا يستبعدها من دائرة أحكام القرض .

 وبالعودة لأحكام الوديعة الواردة في القانون المدني السوري في المادة 684 نجد بأنه لايمكن تطبيقها على الوديعة المصرفية حيث نصت المادة أنفة الذكر على أنه : " الوديعة عقد يلتزم به شخص أن يتسلم شيئاً من آخر، على أن يتولى حفظ هذا الشيء، وعلى أن يرده عيناً. "

أي أن المشرع السوري حدد التزامات الوديع في عقد الوديعة بحفظ الشيء المودع ورده عيناً وهو مالا ينطبق في حالة الوديعة المصرفية ، إلا أنه – أي المشرع السوري – خالف أحكام الوديعة في نص المادة 195 من قانون التجارة خالف أحكام عقد الوديعة المنصوص عليها في القانون المدني ، إلا أنه بقي يطلق لفظ ( الوديعة ) على عملية الإيداع النقدي المصرفية ، وخصها بأحكام خاصة وملزمة لا تخرجها عن مفهوم الوديعة وتتيح للبنك بذات الوقت من استخدام المال المودع لديه في نشاطه المهني ، إلا أن المادة 2 من قانون التجارة السوري نصت على وجوب تطبيق أحكام القانون المدني في كل مالم يرد فيه نص ضمن قانون التجارة ، أي أن نصوص القانون المدني فيما يتعلق بالوديعة تبقى ملزمة بهذا الصدد .

ثانياً :أهمية التمييز بين تكييف الوديعة النقدية المصرفية قرضاً أم وديعة عادية[26]

  1.     في المقاصة : لا تجوز المقاصة في الوديعة بينما تجوز في القرض
  2.     الفوائد : حيث تسري الفوائد عند عدم الرد في الوديعة من تاريخ الإعذار ولا تسري في القرض إلا من تاريخ المطالبة القضائية
  3.     الامتناع عن الرد : فيعتبر الامتناع عن الرد في الوديعة جرماً جزائياً بإساءة الأمانة بينما في القرض فيكون المقترض مديناً بالرد فقط .
  4.     الإفلاس : فلا تدخل الوديعة في التفليسة ويجوز للمودع استردادها طالما أنها كانت موجودة عيناً بينما في القرض لا طريق للدائن سوى الدخول في التفليسة .
  5.     الهلاك : فالهلاك في الوديعة يتحمله المودع ولا يلزم وديع بالتعويض إلا في حال تقصيره بالحفظ ، بينما يتحمل المقترض في القرض هلاك محل القرض كونه من المثليات ولا يلزم إلا برد مثله لأنه تملكه .

 

 

الخاتمة

لا يزال الجدل الفقهي قائماً منذ القدم حول الطبيعة القانونية للوديعة المصرفية النقدية مفتوحاً إلى يومنا هذا وقد تردد الفقه وكذلك الاجتهاد القضائي في اعتماد مبدأ ثابت لعملية الإيداع النقدي المصرفي ، إلا أننا نرى أن تطبيق نظرية الوديعة الناقصة على الوديعة المصرفية بدأ يتلاشى لمصلحة نظرية عقد القرض، ولو فرضنا جدلاً أن الوديعة المصرفية هي عبارة عن وديعة عادية سنجد بأن الوديعة العادية يعتبرها القانون قرضاً إذا كان محلها مبلغاً من النقود ، وأُذن للوديع باستعمالها وكذلك التزامات الوديع بحفظ الوديعة لا تتعدى عناية الرجل المعتاد كحدٍ أقصى وبالتالي فلن يتحمل الوديع تبعه هلاك الشيء المودع لديه إذا اتبع في عنايته وحفظه للوديعة عناية الرجل المعتاد ، الأمر الغير مقبول بالنسبة للمصارف التي تلتزم بشكل دائم برد مثل المال المودع لديها ، إضافة إلى ذلك ففي أحكام الإفلاس فإذا شهر إفلاس البنك سيدخل عملائه التفليسة حتماً شأنهم شأن سائر الدائنين بينما لو اعتمدنا تطبيق أحكام الوديعة على الوديعة المصرفية فلن يدخل العملاء بالتفليسة وسيكون لهم الحق باسترداد ودائعهم عيناً دون الدخول في كتلة الدائنين كون الوديع لا يمتلك الشيء المودع ولو أُذن له باستعماله ، وبالتالي تكون أحكام عقد القرض أقرب إلى الوديعة المصرفية منها للوديعة العادية ، على أساس امتلاك المال المودع للوديع والإذن له باستعماله والالتزام برد مثله لا رده عينه حتى في حالات القوه القاهرة ، إضافة إلى أن هذا التكييف يمكِّن البنك من التمسك بالمقاصة بصفته مقترض الأمر الذي لا يجوز تبعاً لأحكام الوديعة.

ويبدو لنا في الوديعة المصرفية النقدية أن طرفا الالتزام – البنك من جهة والعميل من جهة أخرى – كلاهما لا تنصرف نيته لحفظ المال المودع ، فبالنسبة للبنك فهو يقبل الودائع من العملاء ليقوم باستعمالها في نشاطاته المصرفية لا لحفظها وحمايتها ، وبالنسبة للعميل فهو عادة ما يقوم بإيداع المبالغ المالية إما للحصول على الفوائد أو لتسهيل نشاطاته الحياتية كالحصول على دفتر شيكات أو الحصول على بطاقة ائتمان أو توطين رواتب الموظفين وغيرها من الخدمات المصرفية أي أن العميل عندما يودع مبلغاً من المال لدى أحد البنوك فإنه يقوم بذلك للحصول على مقابل ما بشكلٍ أو بآخر ، وفي حال انصراف نيته إلى إيداع أمواله من أجل حفظها فقط ، فقد ابتكرت الأنظمة المصرفية صناديق حديدية يودع فيها العميل أمواله لمجرد حفظها بشكل آمن ، إضافة إلى أن العملاء في حالات الحروب والاضطرابات يسارعون إلى سحب ودائعهم المصرفية لاعتقادهم بأن البنوك لن تكون آمنة كمنازلهم ولن تكون حريصة على مال أحد كحرص صاحب المال على أمواله.

لكن يبقى التساؤل مفتوحا هنا في سبب استقرار إطلاق لفظ ( الوديعة ) على عمليات الإيداع المصرفي ؟ في رأينا فالمصارف تنتهج نهجاً تسويقياً بإطلاق لفظ ( المودعين – الودائع – الوديعة – إيداع )  على عملياتها المصرفية ، فشيوع فكرة عقد القرض بين الأفراد تجعل من القطاع المصرفي مجرد مؤسسة لاقتراض الأموال من الناس لاستثمارها  وتشوه صورة الاعتقاد بملاءة البنك المالية في حاجة الناس إليه لإيداع أمولهم ، لا حاجة البنك لأموال الناس لاستثمارها وهي الحقيقة ، ما قد يلجم الكثيرين عن التعامل مع البنوك ، بينما استخدام مصطلح المودع قد يشعر العميل بشيء من الأمان ويبعث في نفسه الطمأنينة بأن نقوده في مأمن ويستردها حين يريد .

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع

الكتب :

عبد الرزاق السنهوري

الوسيط في شرح القانون المدني – دار إحياء التراث العربي للنشر 1964– بيروت لبنان

علي جمال الدين عوض

عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة

محمد هاني دويدار

النظام القانوني التجاري – الطبعة الأولى – المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع 1997

مصطفى كمال طه

الأوراق التجارية والإفلاس وفقاً لأحكام قانون التجارة رقم 17 سـنة 1999 ،دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2001

القوانين :

قانون التجارة السوري رقم 33 لعام 2007

القانون المدني السوري

قانون مجلس النقد والتسليف رقم 23 لعام 2002

 

[1]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت لبنان ص 676

[2]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص711

[3]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص  714

[4]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص725

[5]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي  لنشر 1964– بيروت ص 679

[6]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص710

[7]- مصطفى كمال طه: الأوراق التجارية والإفلاس وفقاً لأحكام قانون التجارة رقم 17 سـنة 1999 ،دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 2001 ص 468

[8]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء الخامس – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص 429

[9]  -عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص 753

 

[10]- علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 35

[11] علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 35

[12]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص 682

[13]- علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 185

[14]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص 680

[15]- عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص 756

- علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 56[16]

- علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص  57[17]

- علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص  63[18]

[19]  علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 61

[20] - علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 43

[21] - محمد هاني دويدار – النظام القانوني التجاري – الطبعة الأولى – المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع 1997 ص 319

[22] - علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 40

[23] - علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية – كلية الحقوق جامعة القاهرة ص 41

62 علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية  - مرجع سابق ص 40

63 علي جمال الدين عوض – عمليات البنوك من الوجهة القانونية  مرجع سابق ص 46

[26]  - عبد الرزاق السنهوري – الوسيط في شرح القانون المدني – الجزء السابع المجلد الأول – دار إحياء التراث العربي لنشر 1964– بيروت ص 760

التعليقات

اترك تعليقاً